الجهوية الموسعة بالمغرب : الدينامية ورهان التنمية المحلية

نسخ المقال نسخ المقال

الجهوية الموسعة بالمغرب :الدينامية ورهان التنمية المحلية

جل التقطيعات الترابية كان هاجسا الضبط الأمني وأحيانا التمزيق القسري لبعض أشكال التجانس

 

الدور الرقابي للجهة الوصية يجول دون قيام المجالس الجماعية والجهوية بدورها في النهوض بالتنمية المحلية

 

لا محيد من إيجاد بنسبة علائقية ناظمة ومتراصة بين الجهوية الموسعة وسياسة القرب

 

مسألة المقاربة الترابية أحد المقومات الأساسية المعتمدة في سياسة القرب

 

التغاضي عن خلق توازنات مجالية واقتصادية منتجة سيبقى التدابير الإدارية والتشريعية الجديدة في حدود إجراءات فجة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                           ذ. نجيب جيري      

                        باحث في الإدارة والمالية العامة

اختلفت الاتجاهات بخصوص تعريف الجهة، فمفهوم الجهوية يفيد معنيان، الأول (Régionalisme)، ويعني مجموعة متماسكة ذات أهداف سياسية وقد تتحول إلى توجه سياسي.[1] أما الثاني فيفيد (Régionalisation) ويقصد به بالإطار والمجال الإداري والاقتصادي، حيث لم يعد ذلك الإطار الذي تطبق فيه سياسة المركزية، بل أصبح مجالا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمختلف المجتمعات المحلية، وذلك ليس عبر إقصاء السلطة المركزية، بل عبر إشراك مختلف الفاعلين المحليين في التخطيط والتوجيه ووضع الإستراتيجيات المحلية وتسيير الشأن العام المحلي، بل ذهب البعض إلى أن ديمقراطية القرب “Démocratie de proximité“، تفترض أن إطار تسيير الشأن العام هو المجال على أن يكون هذا الأخير مؤسسا على إرادة الفاعلين عبر دينامية جماعية.[2]

وبهذا أضحى التوجه الجديد للسلطات المحلية المجددة هو العمل على التعاون وإشراك المجتمع المحلي والمرتفق في الشؤون المحلية، وهذا النموذج في التسيير هو ما يسمى بالحكامة الترابية والتي عرفها “Elke Löffler et Toney Bovaird بكونها “مجموعة من القواعد والبنيات المنظمة وغير المنظمة التي تحدد الطريقة التي بواسطتها يمكن للأفراد والمنظمات التأثير على القرار المحلي، وتضمن عيشا أفضل للمجتمعات المحلية“.[3]

وإذا كانت الحكامة تعني إتباع الطرق الرشيدة والفعالة في تسيير الشأن العام بإشراك الجميع، فإن تطبيقاتها تجد أحسن تجلياتها على المستوى المحلي، على اعتبار أن هذا المستوى هو الأقرب للمواطن وهو الفضاء العام حسب “هابرماس” Habermas” الذي يمكن من المشاركة الفعالة المباشرة ولا يمنح للسلطة المركزية إلا مجالا ضيقا للتدخل.[4]

إذن الحكامة المحلية في هذا الإطار هي نظام محلي يشارك فيه القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية عبر نسق يعتمد على مجموعة من المدخلات السياسية والإدارية والمالية والبشرية تتفاعل إيجابيا في إطار منهجي بواسطة العديد من العمليات لتحصل على مجموعة من المخرجات تستطيع استخدام السلطة السياسية، وممارسة الرقابة على المجتمع المحلي من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.[5]

إن الحكامة المحلية في واقع الأمر، هي وسيلة للنهوض بالمجتمع المحلي عبر تفعيل دور السلطات المحلية المنتخبة أو المعنية، وكذا دمج السكان المحليين في عملية التنمية المحلية، غير أن هذا يفترض وجود نخبة مؤهلة ومكونة ومنظمة في مجال ترابي معين قادر على أن يكون فضاء مناسبا لتنسيق الجهود حول قيم مشتركة، وفي نفس السياق  لخلق التنافس في علاقاته مع المجالات الأخرى، ولعل في المجال الجهوي أفضل إجابة على هذه الإشكالية.

والجهوية هي نتيجة مجهود متجه إلى تحليل المجال الوطني وتركيبه، تهدف إلى إعطاء البلاد إطارا للتنمية يمكن من تجميع المصالح المشتركة والمتكاملة، بل هي المجال الأنسب لتكييف تسيير الشأن المحلي مع الواقع المعاش والإطار الملائم لتفاعل مختلف الطاقات المحلية وتنسيق مختلف الجهود الكامنة في الفعل المحلي، بهدف تحقيق التنمية المستدامة.

كل هذه العوامل جعلت المغرب يتجه نحو إعادة النظر في البنيات والهياكل المكونة للتنظيمات الجهوية، بالسعي الحثيث نحو إقرار منظومة جديدة للجهوية داخل التنظيم الإداري المغربي تستجيب لمختلف المطالب الدولية والوطنية.

إن التحول من السياسة الجهوية في بعدها الإداري الصرف إلى سياسة جهوية موسعة، يجب أن يستند بالدرجة الأولى إلى اعتماد مبادئ الحكامة الترابية لأنها أكدت فعاليتها في سياسة معالجة الاختلالات ومحاربة التفاوتات في خلق جهوية متطورة من خلال تبني إستراتيجية وطنية للخروج بمشروع وطني للجهوية الموسعة يستند إلى مقاربة تجعل من الجهة مجالا تنمويا للتكامل والتضامن الترابي.

I) الجهوية الموسعة الأساس الفاعل في التنمية المحلية :

اتجهت الدول المتقدمة منها والنامية منذ النصف الثاني من القرن العشرين نحو الأخذ بنظام الحكم المحلي ونظام الإدارة المحلية، وليس هذا الاتجاه إلا نتيجة طبيعية لعدة متغيرات حدثت في العالم في القرن العشرين خاصة في أواخره، متغيرات قد تكون سياسية، وقد تكون اجتماعية وثقافية وتكنولوجية، ولاشك أنه كان لها أثرها الفعال والرئيسي في تغيير أسلوب إدارة المجتمعات الإنسانية، أو كما يسمى بـ“فن إدارة الدول”. والإدارة المحلية هي أسلوب من أساليب التنظيم الإداري، يراد به توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية في الدولة، وبين الهيئات الإدارية المنتخبة، ويعد توزيع هذه الوظيفة بين المركزي والمحلي، والمزج بين النظام المركزي واللامركزي في التنظيم الإداري من المشكلات الإدارية التي يجتهد الدول في إيجاد الحلول الملائمة لها، وتتأثر في ذلك بدرجات متفاوتة بالظروف السياسية والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة في كل منها.

وفي المغرب فإن الحديث عن التنظيم الإداري المحلي ذو صلة وثيقة للحديث عن الديمقراطية والتنمية بما يعنيه ذلك من معالجة لمعطيات الواقع السياسي المغربي، ولاستراتيجيات وتوجهات مختلف القوى الفاعلة منذ الاستقلال إلى الآن.

إن التنظيم اللامركزي أضحى جزءا من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمغرب، بشكل يجعل من الجماعات المحلية رهانا أساسيا لتفعيل مقومات التنمية سواء في أبعادها الاقتصادية (المساهمة في خلق الثروة الوطنية) أو السياسية (تحقيق مطلب الديمقراطية المحلية).

في هذا السياق يطرح موضوع الجهوية والجهوية الموسعة، الذي أصبح لها نفس الحضور خاصة في الاهتمام المرتبط بالمسار العام للتطور اللامركزي المغربي سواء في أبعاده التاريخية القديمة، أو في أبعاده الحاضرة من خلال التراكم الموضوعي لتجربة التنظيم الجهوي في ظل القانون رقم 96/47، وكذا الأبعاد المستقبلية لذات المفهوم من خلال المسار الذي تعرفه القضية الوطنية الأولى (قضية الصحراء) والدفع المغربي بمبادرة الحكم الذاتي، وكذا التحول المتجدد للتعاطي مع إشكاليتي الديمقراطية والتنمية من خلال تطوير ورش الجهوية للانتقال بهذه الأخيرة من مقاربة تقليدية ذات جوهر إداري إلى جهوية موسعة ذات جوهر اقتصادي وتنموي.

إن الجهوية كمقاربة للتدبير المحلي، يمكن تحديدها من خلال منظومة الجهة في مستواها التقليدي كجماعة ترابية معترف لها بمجموعة من الاختصاصات والصلاحيات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتتمتع في سبيل الاضطلاع بهذه الصلاحيات بمجموعة من الإمكانات ووسائل العمل المادية والبشرية، أما الجهوية الموسعة فإنها هي الأخرى مقاربة للتدبير المحلي، إلا أنه تدبير يحوز على درجة متقدمة سواء في التمثيلية الشعبية أو في الصلاحيات والاختصاصات الجهوية، التي قد تنظم بمقتضيات دستورية، أو في الوسائل والإمكانات التي قد تصبح مقسمة بين كل من الدولة كوحدة مركزية والجهات كوحدات محلية.

إن الجهوية الموسعة ليست في آخر المطاف سوى “تمكين المواطنين في دائرة ترابية محلية محددة من تدبير أمورهم بأنفسهم، وذلك من خلال هيئات جهوية ينتخبونها، لها من الصلاحيات والموارد ما يمكنها من تحقيق التنمية المحلية، لكن ليس في انفصال عن الدولة وعن السلطة المركزية. فالجهوية الموسعة لا تعني الانفصال ولا تعني التجزيء ولا التقسيم ولا الخروج عن سيادة الدولة“.[6]

هذه المقاربات، التي لا تستقل من حيث المبدإ عن مرجعية مفهوم الجهوية، تظل رغم ذلك ذات طبيعة ووقع خاص حين استحضار مصطلح الجهوية الموسعة، التي ستصبح من خلاله الوحدات الجهوية لها ذاتية موضوعية في الفعل التنموي العمومي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الأساس المضاد للتنميةالمحلية:

مازال إلى حدود اليوم النقاش ساريا حول مداخل التنمية بمفهومها الشامل والمحلية بشكل دقيق نقاشا مفتوحا، ولم يكتب له الرسو على مسالك التنزيل، وبالمقابل فالإختلالات هي السمة المميزة لكل التجارب منذ العمل بالتنظيم الجماعي والجهوي الذي انطلق العمل به في السبعينيات من القرن الماضي. هذه الإختلالات استوجبت الكثير من الندوات والمشاريع الإصلاحية،[7] ولعل النقاشات المستمرة إلى حدود اليوم تؤكد أن الفشل كان حليف كل المبادرات الإصلاحية،[8] مما استلزم التفكير في صيغ متجددة كان أبرزها المناظرة الوطنية حول الجماعات المحلية المنعقدة سنة 2006 بأكادير، تحت شعار “تنمية المدن: مواطنة ومسؤولية“. وكذلك إستراتيجية الحكامة المحلية التي وضعتها وزارة الداخلية لتأهيل الجماعات في أفق 2015،[9] هذا دون إغفال المطالب الداعية إلى تبني الجهوية الموسعة، حيث تم تسطيرها في بعض البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية.

 أمام هذه الملاحظات العامة يبقى السؤال الفيصل في نظرنا كباحثين ومتتبعين، هو تحليل العلاقة القائمة بين النخب الفاعلة في هذه المجالات الترابية ؟

إنه سؤال السياسي والإداري، فرغم بساطته إلا أنه يكتسي أهمية قصوى في تدبير المجال الترابي بالمغرب.

وقد شكل الفضاء المحلي مجالا تجاذبته قوى متباينة لم تستطع في أحيان كثيرة حجب صراعاتها واصطداماتها. ففي الوقت الذي ترى فيه النخب السياسية والديناميات المحلية أنه فضاءها وهي المسؤولة على تنظيمه وتنميته، كانت بالمقابل النخب الإدارية ترى فيه فضاء يجب تطويعه وضبطه وفق خطوط تماس يجب عدم السماح بتجاوزها. إنه المنطق اليعقوبي للدولة المستند على المركزية كتدبير مجالي. وهنا لب الإشكالية، أي معادلة طرفي المتصل فيها متنافرين بنيويا ووظيفيا، حيث طرف يؤمن بالمبادرة والاستجابة تبعا لذلك لانتظارات من يمثلهم، وطرف آخر تتمثل الغاية القصوى لديه في الهاجس الضبطي والأمني.[10] وبالفعل فجل التقطيعات الترابية والإدارية كان هاجسها الضبط الأمني وأحيانا التمزيق القسري لبعض أشكال التجانس الاجتماعي وراءها.

هذه العلاقة غير الطبيعية ولدت لسوء الصدف انزلاقات في شكل نزعات انتهازية وطفيلية لدى العديد من النخب السياسية المحلية، مما جعل المصلحة العامة في هذه الفضاءات عرضة للاستغلال والمصادرة، وهنا تنتصب أمام أعيننا العديد من الأمثلة والوقائع كالفساد، نهب المال العام، التلاعب بالميزانيات، تعطيل المشاريع، الاغتناء غير المشروع…

إن اضطراب العلاقة بين أطراف المعادلة نتج عنه إما شد الحبل والتعطيل الشامل لأوراش التنمية، أو فتح الباب أمام التجاوزات على مصراعيه، إنها الحصيلة المباشرة لعدم القدرة على تنظيم العلاقة بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب.[11]

إن الأمر يصبح صادما لما نعاين واقع الحال لدى بعض التجارب اللامعة في هذا المجال، حيث أن الكل أي التنمية والإقلاع الاقتصادي والاجتماعي يبدأ من الجزء، أي تلك الفضاءات المحلية والمجالات القروية والجماعية، إن المشاريع المجتمعية الكبرى كما أثبتت التجارب العالمية انطلقت من مجالات وأجزاء صغرى في المكون المجتمعي : إنها الأحياء، المقاطعات، الجهات… ولنا في النقاش الجاري اليوم في فرنسا من أجل المزيد من التفعيل لأسس ديمقراطية الأحياءخير مثال.[12]

أمام هذه السلسلة من الأعطاب بات واجب البحث في مسالك الاستدراك واستراتيجيات التجاوز، والتي تبقى ممكنة ومتاحة لا ينقص سوى مباشرتها بشكل جريء وبحس مسؤول، إن من شأن بناء جسور وعلاقات جديدة بين النخب السياسية والإدارية بالفضاءات المحلية أن يعيد الكثير من الأشياء إلى نصابها.[13]

والحوار والتفهم والتشاركية واحترام الاختصاصات، هذه الأخيرة التي أصبحت مطالبة بمراجعة جذرية لصالح النخب السياسية، وتراجع رجالات الإدارة الترابية عن مهام هي من صميم اختصاصات المنتخب، لكفيل بإعطاء نفس جديد لمفهوم التنمية الإنسانية والديمقراطية المحلية.[14]

التصميم ببساطة يتمثل في مواطن طالب خدمة عمومية، إنه زبون له انتظارات، هذه الأخيرة تتطلب قنوات للتعريف والتأطير، حتما هي الأحزاب، ولما كانت الديمقراطية في عصرنا الحالي هي ديمقراطية تمثيلية، فإن المواطنين يختارون ممثليهم (النخب المحلية) هؤلاء المسؤولين مطالبين بالعمل على ترجمة الطلب الاجتماعي والاستجابة له في شكل سياسات عمومية، وذلك وفق عقد سياسي انتخابي بينهم وبين ناخبيهم.[15] هذا المخاطب المحلي يجب أن تكون علاقته تكاملية وليس علاقة وصاية مع النخب الإدارية المحلية.[16] فإذا كانت المجالس الجماعية والقروية والجهوية هي المسؤولة عن البناء والنهوض بالتنمية المحلية، فإنها لا تستطيع فعل أي شيء أمام الدور الرقابي لوزارتي الداخلية والمالية والوصاية التي يتمتع بها الوالي والعامل والباشا والقائد إداريا وماليا.[17]

كمحاولة تجميعية وتركيبية لعناصر المعاينة، يمكن القول أن ملحاحية الإستدراك باتت أولوية استعجالية، فتصحيح العلاقة ورسم مسؤوليات واضحة المعالم بالنسبة لكلا الطرفين وتوضيح حدودها، هو السبيل لتمثل حقيقي وذا فعالية لمقاربة الأسئلة والإشكالات التي يطرحها الفضاء المحلي.

 إن مفاهيم التشاركية المحلية، سياسة القرب، المفهوم الجديد للسلطة، الحكامة المحلية، الديمقراطية المحلية… هي مفاهيم لا يجب أن تبقى معلقة، بل وجب ترجمتها على أرض الواقع.

الجهوية الموسعة وآفاق التنمية الجهوية البديلة :

إن البحث عن نموذج مغربي للجهوية الموسعة وإخراجه في قوالب تنظيمية/إجرائية وأنساق مؤسساتية لن يستجيب للمطمح المجتمعي دون البحث عن أدوات وقائعية وميدانية للأجرأة والتفعيل، وتمكينه من تدابير مساعدة وإسنادية لتحقيق مجمل الأهداف والمرامي، فأكيد أن الجهوية الموسعة بأوصالها ومسعاها تتغيا استحداث نمط تسييري/تدبيري للجهة يقوم على معطى توزيع السلطة بين المركز والمؤسسات الجهوية بغية تكسير وتقويض كل مثالب السياسات التي تبنى من المركز، أو ما يمكن أن يصطلح عليه بـ”التدبير عن بعد“، والتي أثبتت عدم فعاليتها وأدت إلى إحداث العديد من الاختلالات والفوارق على مستويات التنمية الجهوية، وإحلال محلها “التدبير عن قرب” الذي يستجيب لمقدرات وفروض أي تنمية جهوية ويتناغم ويتكيف مع أي إكراهات أو موانع قد تحول دون بلوغ سقف الرهانات المحددة سلفا،[18]، وبالتالي يجب التفكير مليا في إيجاد بنية علائقية ناظمة ومترابطة/متراصة بين الجهوية الموسعة وسياسة القرب، فالتجارب المقارنة أكدت تحت وقع التجريب والممارسة جدوائيتها وغائيتها وبرهنت بالملموس على أنها ثنائية تشكل معادلة من الصعب المحيد عنها في سياقات التفكير في أي تنمية جهوية بديلة بأبعادها الشمولية.

وحتى لا تظل المؤسسات الجهوية المنتخبة تعمل خارج الزمن الاجتماعي وفي انعزالية عن المواطن الذي يحتل محورية الرهان بالنسبة إلى الجهوية الموسعة، حيث تنطلق التنمية من المواطن ومن أجل المواطن، فإن وجوبية اعتماد سياسة القرب لا مناص منها لإعطاء الفعل الجهوي الدافعية والدعامات الأساسية للوصول إلى التطلعات التنموية المنشودة والمرجوة، بعيدا عن المنهجية البيروقراطية في عملية صنع القرار الجهوي وبمنأى عن ركام القواعد الإجرائية التعقيدية.

لاشك أن بناء أي إستراتيجية لتدبير الشأن الجهوي لن يتأتى دون التوظيف الجيد لمرتكزات سياسة القرب، لتكون جل مؤسسات اتخاذ القرار على المستوى الجهوي تشتغل عن قرب مع المواطنين، ويمكنها تشخيص وتحديد احتياجاتهم والاستجابة السريعة لمتطلباتهم في سياق تفاعلي ذي منحى إيجابي دائم.[19]

وتعتبر سياسة القرب منهجية في التدبير العمومي تعتمد على المقاربة التشاركية، وذلك بهدف التغلب على إكراهات وعوائق التنمية، هدف لا يمكن تحققه إلا من خلال قيادات سياسية منتخبة قريبة من مواطنيها، الذي تحظى برضاهم عبر مشاركتهم ودعمهم.

تهتم والتشاركية بتوفير فضاءات مختلفة للتشاور والاستشارة المباشرة والتي تعرف نوعا من الانتظامية والديمومة تمكن المواطنين من الانخراط الإيجابي في بلورة السياسات التنموية من خلال التتبع والمراقبة والمشاركة الفعلية غير الشكلانية، فلكون هذه “الضرورة التشاركية” ترتكز على دور وسلطة جديدة تمنح للمواطنين، فهي تقوم حسب تعبير الفيلسوف “john dewrey، على: “مواطنة نشيطة ومكونة” وعلى: “تشكيلة من المجتمع الحركي والحيوي قادرة على التعبير عن قدرات للبحث والتقصي عن الحلول لمشاكلهم“، وبالتالي قيام نمط توزيعي جديد من سلطة اتخاذ القرار غير استئثاري على المستوى الجهوي يستوعب جل الفواعل الدولتية الجهوية (المؤسسات الجهوية، هيئات المجتمع المدني، القطاع الخاص)، من خلال ضمان تمثيلية متساوية ومتوازية تفضي إلى إحداث توافقات بين الآراء والتعبير عن المواقف والتصورات، وهي كلها تفيد في نهاية المطاف بحوكمة الفعل الجهوي وتقنينه بما يخدم مصلحة المواطن.[20]

وهذه النماذج من الاستشارة تأخذ قوالب مختلفة من دولة إلى أخرى في إطار النظم المقارنة، ونسوق هنا على سبيل الذكر النموذج الأمثل، والذي شكل تجربة فريدة من نوعها، ونعني به طبعا مدينة “بورتو أليغري” (البرازيل) التي ابتكرت ما يسمى “بالميزانية التشاركية“، وهي تعتمد على استشارات واسعة في إعداد الميزانية من أجل الوقوف على الحاجيات الحقيقية للمواطنين والتي تحظى بالأولوية من حيث الاستجابة لها، وبالتالي لم لا اعتماد نموذج “الميزانية الجهوية التشاركية“، وأيضا ما تقوم به المرافق العمومية في فرنسا من ضمان تمثيليات هيئات المجتمع المدني والتي تفضي إلى إحكام تطبيقات سياسة القرب في تلبية حاجيات المرتفقين.[21]

وتبقى أيضا أحد المقومات الأساسية الموظفة والمعتمدة في سياسة القرب هي مسألة المقاربة الترابية التي يمكن أن تشكل المجال الحيوي لتجسيد وتكريس تطبيقات الجهوية الموسعة، فهناك علاقة تكاملية بين الجهوية كسياسة والتراب كمجال خاضع لها، لأن منطقها، وطريقهما وهدفهما واحد، لذلك فإن التحول من السياسة الجهوية في بعدها الإداري الصرف إلى سياسة جهوية موسعة/متقدمة، يجب أن يستند بالدرجة الأولى إلى اعتماد مبادئ الحكامة الترابية، لأنها أكدت فعاليتها في سياسة معالجة الاختلالات ومحاربة التفاوتات في خلق جهوية متطورة من خلال تبني إستراتيجية وطنية للخروج بمشروع وطني للجهوية الموسعة يستند إلى مقاربة تجعل من الجهة مجالا تنمويا للتكامل والتضامن الترابيين،[22] وهي مقاربة تعمل على تجسيد التباعد بين السياسات العمومية وتجسيداتها على المستوى الجهوي، نظرا إلى ما لسياسة القرب من إجرائية في تنفيذها ومتابعتها وتقويمها، كما أن المقاربة الترابية هي الأسلوب الناجع والقمين بتمكين المؤسسات الجهوية من عوامل التكيف مع متغيرات محيطها وتحديد سلم الأولويات بالنسبة إلى حاجيات المواطنين في الجهات.

وعلى الرغم مما تتيمز به المقاربة الترابية في بناءاتها من مركزية التخطيط وتكون ذات أهداف عامة وذات بعد وطني تحت متطلب تحقيق نوع من التكامل والتضامن بين مختلف الجهات وتحقيق توازنات مجالية/ترابية فإنها لا تكون فعالة إلا من خلال إقرار مبادئ سياسة القرب ومنهجية التدبير التشاركي كمرجعية محورية لإعداد السياسات العامة والقطاعية، وإنجاز مختلف التصاميم والبرامج المديرية على المستوى الجهوي، وفق آليات وأدوات تمنح المواطنين كل منافذ المشاركة والإشراك.

           على ســبــيــل الـخـتــم :

وفي الختام، فأي تفكير موضوعي ووطني في الشأن الجهوي ببلادنا، يتطلب أن يستحضر الغاية العليا من التدبير المجالي والسياسة الترابية باعتبارها آليات ومداخل وليس غايات في حد ذاتها، ذلك أن تخطيطها وتدبيرها المنصف والمجدي يتطلب وضع المشروع التنموي والديمقراطي بمختلف أبعاده ومساراته السياسية والثقافية والاجتماعية في بوصلة نهجها وتقويمها.

وكل محاولة للالتفاف أو التغاضي عن العمق التاريخي والمعطى الاجتماعي والثقافي والواقع الملموس، وعلى ضرورة خلق توازنات مجالية واقتصادية منتجة، ستبقي التدابير الإدارية والتشريعية الجديدة في حدود إجراءات فجة، سريعا ما ستفصح عن هشاشتها المؤسساتية وإخفاقها الديمقراطي التنموي.

إذا أضفنا إلى ذلك حساسية الموضوع في فضاء المغرب المعاصر، خاصة مع تنامي الوعي السياسي بأشكال الهيمنة التي تتخذ التدبير الترابي آلية لاستمرار مصالح بعض الأحزاب واللوبيات والأطراف المستفيدة من الواقع الحالي، واقتراح مشروع الحكم الذاتي للصحراء، وظهور حركات جهوية تطالب بالحكم الذاتي لمناطقها بالريف وسوس، فإن من الواضح أن مصلحة المغرب وضمان مستقبله الديمقراطي والتنموي يمر عبر التناول الجدي للموضوع بما يكفي من الجرأة والمصداقية، وذلك بسن سياسة جهوية فعلية تمنح الجهات وضعية الحكم والتدبير الذاتي لشؤونها وتقرير مصيرها التنموي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 

[2]Gvenou (M) et tiberghien (B) : « Décision territoriales et nouvelles approches organisationnelles », in administration, gouvernance et décision publique, S/D Ali sedjari, L’harmattan, 2004, p : 184.

[3]Bovaird (T) et lofflar (E) : « Réflexion à propos de quelques repères pour une bonne gouvernance locale », in administration, gouvernance et décision publique, S/D Ali sedjari, L’Harmattan, 2004, p : 146.

[4] عبد الغني الشاوي : “الجهة كمجال لتطبيق الحكامة الجيدة”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة”، عدد خاص 71، 2011، ص : 60.

[5] كريم لحرش : “الحكامة المحلية بالمغرب”، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، عدد 2، غشت 2009، الطبعة الأولى، ص : 6.

[6] سعيد جفري : “الجهوية الموسعة بالمغرب : خارطة طريق ملكية”، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، عدد 6، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، فبراير 2010، ص ص : 9-10.  

[7] جريدة الصحراء المغربية، العدد 3560 بتاريخ 19 أكتوبر 1998.

[8] حليمة ستوت : “المناظرات الوطنية للجماعات المحلية : الأهداف والنتائج”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، أكدال، الرباط، 1997-1998، ص ص : 30-40.

[9] “الجماعة في أفق 2015″، منشورات المديرية العامة للجماعات المحلية، وزارة الداخلية، أبريل 2009.

[10] جمال قاسمي : “التدبير المحلي بين النخب الإدارية والسياسية”، دفاتر سياسية، عدد 101، 2008، ص :14 .

[11] جمال قاسمي : مرجع سابق، ص :14 .

[12] محمد اليعقوبي : “وحدة المدينة على ضوء الميثاق الجماعي الجديد”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة دراسات، عدد مزدوج 62-63، ص ص : 56-58.

[13]Pissaloux (J. L) : « Réflexions sur les évolutions récentes de la démocratie locale : Un bilan plutôt mitigé », Collectivité territoriale, la revue du Trésor, n°11, 1982, p : 654.

[14]Viriat (M.S) et Venier (P. E) : « Le management public », collection que sais-je ? PUF, pp : 122-123.

[15] فوزي بوخريص : “التسيير الجماعي بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية”، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 9099، بتاريخ 14-15 فبراير 2009.

[16] فاطمة مزروع : “الإدارة المحلية اللامركزية بالمغرب”، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2003، ص ص : 159-165.

[17] عبد العزيز الخبشي : “بعض مظاهر تقنية التدقيق والرقابة الممارسة على مالية الجماعات المحلية وهيآتها على ضوء مدونة المحاكم المالية”، م.م.إ.م.ت، سلسلة دراسات، عدد 50، 2003، ص ص : 23-35.

[18] عثمان الزياني : “الجهوية الموسعة وسياسة القرب”، جريدة المساء، عدد 1328، بتاريخ 30/12/2010، ص : 8.

[19] للمزيد من التفاصيل أنظر: محمد الغالي: “سياسة القرب مؤشر على أزمة الديمقراطية التمثيلية”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة”، عدد 53، 2006، ص ص: 26-29.

[20] عثمان الزياني : “الجهوية الموسعة وسياسة القرب”، مرجع سابق، ص : 8.

[21]L’article 1-1413 du code général des collectivités Territoriales.

[22] كريم لحرش : “الجهوية الموسعة وأي مستقبل للحكامة الترابية بالمغرب”، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، عدد 6، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، فبراير 2010، ص : 225.

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق دخول